علي بن أحمد المهائمي

706

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( ولم يقل أكرهها ) مع أنه وصفه بالخباثة ، والخبيث لا بدّ وأن يكره للإشارة إلى أن خباثتها ليست من ذاتها ، وإلا لكانت حين تثبت في العلم الأزلي خبيثة مع أنها منزه عن الخبائث ، ( فالعين ) من حيث ثبوتها في العلم الأزلي ( لا تكره ، وإنما يكره ما ظهر منها ) ، ومع تك ( الكراهة لذلك ) الظاهر ليس من حيث أنه تلك العين ، أو من حيث أنه الظاهر ، بل ( إما عرفا ) لكونه خلاف ما أطبق عليه الجمهور ( أو بعدم ملائمة طبع ، أو بعدم غرض ، أو ) بعدم موافقة ( شرع ، أو ) بوجود ( نقص عن كمال مطلوب ) ، وهذه كلها عوارض ذلك الظاهر ( وما ثمة ) ، أي : في المكروهات سبب الكراهة ( غير ما ذكرنا ) ، فالأشياء وإن كانت طيبة بالأصالة ونظر الكامل إلى الأصل ؛ ولكن ( لما انقسم الأمر ) ، أي : أمر الموجودات بحسب هذه العبارات ( إلى خبيث وطيب كما قررناه ، حبب إليه الطيب ) ؛ لبقائه على صفة الأصل المحبوب ، فهو في ( الخبيث ) المتغير عن الأصل ؛ لأنه بالتغير صار إلى ضد المحبوب ، وإنما لم يحب الخبيث ؛ لبقائه على أصل الفطرة ، والدليل عليه أنه ( وصف الملائكة ) الذين لا يتغيرون عن الفطرة ( بأنها تتأذي من الروائح الخبيثة ) ، وإن لم يكرهها بعض الإنسان بنشأتها لهذه التغييرات ( لما في هذه النشأة العنصرية من التعفين ؛ فإنه مخلوق من صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر : 26 ] ، أي : متغير الريح ) ، فهو يحبها بهذا العوارض ، لكن لا عارض في الملائكة ( فتكرهه الملائكة بالذات ) ، فالشيء الواحد يختلف حاله طيبا وخباثة بالنظر إلى المنتفعين به والمتضررين ، ( كما أن مزاج الجعل يتضرر برائحة الورد وهي ) في العرف من ( الروائح الطيبة ) ، لكن لا يتضرر بالطيب أحد يكون عنده طيبا ، ( فليس ريح الورد عند الجعل بريح طيبة ) لغاية بعده عن الأصل بكثرة التغيرات ؛ ولذلك ( من كان على هذا المزاج ) الجعلي ( معنى ) بذهاب إنسانيته ( وصورة ) بدناءة عقله وغمته وتلطخه بالقاذورات آخرية ( الحق ، إذا سمعه وسر بالباطل ) لبعده عن الأصل وألفه للتغيرات الباطلة ، ( وهو ) الذي أشار إليه ( قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ . ) [ ووصفهم بالخسران ؛ فقال : أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [ العنكبوت : 52 ] الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [ الأنعام : 12 ] ؛ فإنّه من لم يدرك الطّيّب من الخبيث فلا إدراك له ، فما حبّب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا الطّيّب من كلّ شيء وما ثمّة إلّا هو ، وهل يتصوّر أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلّا الطيّب من كلّ شيء ولا يعرف الخبيث أم لا ؟ قلنا : هذا لا يكون ؛ فإنّا ما وجدناه في الأصل الّذي ظهر العالم منه وهو الحقّ ، فوجدناه يكره ويحبّ ؛ وليس الخبيث إلّا ما يكره ولا الطّيب إلّا ما يحبّ ، والعالم على